ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

62

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وقال تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 30 ] . قال العلماء الراسخون : هو التفكّر في الذات « 1 » . وقال الشيخ رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : كما أمرنا أن نقول : لا إله إلا اللّه نهانا أن نتفكّر في ذات اللّه . وفي التخيل قال صلى اللّه عليه وسلم : « في الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » . قال رضي اللّه عنه في الفص الشعيي : إن صاحب الإحسان شهيد للحق مشاهد له ، فلهذا أعرض الأنبياء عليهم السلام كلهم عن الفكر والنظر . قال تعالى على لسان نبيّه : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ يونس : 15 ] . وهو عين القبول من الحق كما ذكرناه تعلمهم بقصور العقل من حيث نظره ، وفكره عن إدراك الأشياء على ما هي عليه ولو كان في الأدلة الفكريّة ، والتقريرات الجدليّة غناء أو شفاء لم تعرض عنها الأنبياء عليهم السلام ، ولا وارثوهم العالمون

--> ( 1 ) قال سيدي عليّ في « الوصايا » : أينما توجه الفكر لا يأتي إلا بمغايرات الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، فهو لا يأتي في الحقيقة إلا بضلال عن الحقيقة ، التي هي الخير المحض ، فهو لا يأتي بخير محض قطّ ، فما انكشف فيه الحق بتحقيقه ولو بوجه ما ؛ فهو وجد علميّ ، أعني وجوديّ لا فكريّ ، وآيته ألا يحتمل النقيض في محله باليقين ؛ فافهم . وقال الشعراني قدّس سرّه في « اليواقيت » في سبب المنع من التفكّر في ذات اللّه : أن سببه ارتفاع المناسبة بين ذاتنا وذات اللّه ، ومن هنا أنف أهل اللّه أن يجعلوا التفكر من دأبهم ؛ لأنه حال لا يعطي الحفظ ، فلا يدري أيصيب أم يخطئ . وقال الشيخ المحيوي في الباب الخامس وأربعين ومائة : إنما منعوا التفكر لأنه لا يتعدى أحد أمرين : إما الجولان في المخلوقات ، وإما الجولان في الإله ، وأعلى درجات جولانه في المخلوقات أن يتخذها دليلا ، ومعلوم أن الدليل يضاد المدلول ، فلا يجتمع دليل ومدلول في حدّ عند الناظر أبدا ، وأما جولانه في الإله ليتخذه دليلا على المخلوقات ففيه من سوء الأدب ما لا يخفى ؛ لأنه طلب الحق لغيره ، أي ليدله على الكائنات ، فما طلبه تعالى لعينه ، وذلك غاية الجهل . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) ، وأبو داود ( 4 / 223 ) ، والترمذي ( 5 / 6 ) ، والنسائي ( 6 / 528 ) .